تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

18

نظرية المعرفة

والعلم من هذا القبيل ، لأنّها من الأُمور التي يعايشها الإنسان في جميع لحظات وفترات عمره إلى أن تفارق روحُه بَدَنَه . وهي من الآمال التي يطمح إليها كل إنسان في يومه وساعته . فلذلك لم نكن في حاجة مُبرمة إلى تعريفها . وإلى ما ذكرنا ذهب الإمام الرازي ( 543 - 606 ه ) ، فقال بأنّ العلم أمر ضروري ، وهو مستغنٍ عن التعريف ، واستدلّ على ذلك بوجهين : الأول : إنّ عِلْم كُلِّ أَحَدٍ بأنّه موجود ، ضروري ، أي حاصل له بلا اكتساب ونظر ، وهذا علم خاص ، متعلّق بمعلوم خاص وهو وجوده ، والعلم المطلق جزء منه ، لأنّ المطلق ذاتي للمقيّد ، والعلم بالجزء ، سابقٌ على العلم بالكلّ . فإذا حصل العلم الخاص - الذي هو حاصل لكلّ أحد بالضرورة كان العلم المطلق - الذي هو جزؤه - سابقاً عليه ، والسابق على الضروري أولى أن يكون ضرورياً ، فالعلم المطلق ضروري ، وهو المطلوب . الثاني : لو كان العلم كسبياً معرَّفاً ، فإمّا أن يُعرف بنفسه ، وهو باطل . أو بغيره ، وهو باطل أيضاً ، لأنّ غير العلم إنّما يعلم بالعلم ، فلو علم العلم بغيره لزم الدور ، لتوقف معلوميّة كل منهما على معلومية الآخر . « 1 » وفي مقابل ما ذكرناه من ضرورية العلم وعدم احتياجه إلى التعريف ، رأيان آخران نشير إليهما : 1 - إنّ تعريف العلم ليس ضرورياً ، بل هو نظري ، ولكن يعسر تحديده . وإليه ذهب إمام الحرمين أبو المعالي الجويني ( 478 ه ) « 2 » . وتبعه الغزالي ( 450 - 505 ه ) في ذلك ، قال : يعسر تحديد العلم بعبارة محرّرة جامعة للجنس والفصل الذاتيين ، فإن ذلك متعسّر في أكثر الأشياء ، بل في أكثر المدركات الحسّية ، فكيف لا يعسر في الإدراكات الخفية . « 3 »

--> ( 1 ) . شرح المواقف ، ج 1 ، ص 62 - 66 ، بتصرّف وتلخيص . وكان على الرازي الاكتفاء بما ذكرناه من دون إقامة البرهان على كونه بديهياً ، لعدم حاجته إليه . ( 2 ) . شرح المواقف ، ج 1 ، ص 67 . ( 3 ) . المستصفى ، ج 1 ، ص 25 ، بتصرف .